الشوكاني
306
فتح القدير
أي تصوت ، ومنه مكت است الدابة : إذا نفخت بالريح ، قيل المكاء : هو الصفير على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء . قال الشاعر : إذا غرد المكاء في غير دوحة * فويل لأهل الشاء والحمرات والتصدية : التصفيق ، يقال صدى يصدى تصدية : إذا صفق ، ومنه قول عمر بن الأطنابة : وظلوا جميعا لهم ضجة * مكاء لدى البيت بالتصدية أي بالتصفيق ، وقيل المكاء : الضرب بالأيدي ، والتصدية : الصياح ، وقيل المكاء : إدخالهم أصابعهم في أفواههم ، والتصدية : الصفير ، وقيل التصدية : صدهم عن البيت ، قيل والأصل على هذا تصددة فأبدل من إحدى الدالين ياء . ومعنى الآية : أن المشركين كانوا يصفرون ويصفقون عند البيت الذي هو موضع للصلاة والعبادة ، فوضعوا ذلك موضع الصلاة قاصدين به أن يشغلوا المصلين من المسلمين عن الصلاة ، وقرئ بنصب صلاتهم على أنها خبر كان ، وما بعده اسمها . قوله ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) هذا التفات إلى مخاطبة الكفار تهديدا لهم ومبالغة في إدخال الروعة في قلوبهم ، والمراد به : عذاب الدنيا كيوم بدر وعذاب الآخرة . قوله ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ) لما فرغ سبحانه من شرح أحوال هؤلاء الكفرة في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية . والمعنى : أن غرض هؤلاء الكفار في إنفاق أموالهم هو الصد عن سبيل الحق بمحاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجمع الجيوش لذلك ، وإنفاق أموالهم عليها وذلك كما وقع من كفار قريش يوم بدر ، ويوم أحد ، ويوم الأحزاب ، فإن الرؤساء كانوا ينفقون أموالهم على الجيش ، ثم أخبر الله سبحانه عن الغيب على وجه الإعجاز فقال ( فسينفقونها ) أي سيقع منهم هذا الإنفاق ( ثم تكون ) عاقبة ذلك أن يكون إنفاقهم حسرة عليهم وكأن ذات الأموال تنقلب حسرة تصير ندما ، ( ثم ) آخر الأمر ( يغلبون ) كما وعد الله به في مثل قوله - كتب الله لأغلبن أنا ورسلي - . ومعنى ( ثم ) في الموضعين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكور وبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد ، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة ثم قال ( والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) أي استمروا على الكفر ، لأن من هؤلاء الكفار المذكورين سابقا ما أسلم وحسن إسلامه : أي يساقون إليها لا إلى غيرها ، ثم بين العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعله فقال ( ليميز الله الخبيث ) أي الفريق الخبيث من الكفار ( من ) الفريق ( الطيب ) وهم المؤمنون ( ويجعل الخبيث بعضه على بعض ) أي يجعل فريق الكفار الخبيث بعضه على بعض ( فيركمه جميعا ) عبارة عن الجمع والضم : أي يجمع بعضهم إلى بعض ، ويضم بعضهم إلى بعض حتى يتراكموا لفرط ازدحامهم ، يقال ركم الشئ يركمه : إذا جمعه وألقى بعضه على بعض ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى الفريق الخبيث ( هم الخاسرون ) أي الكاملون في الخسران ، وقيل الخبيث والطيب : صفة للمال ، والتقدير يميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون من المال الطيب الذي أنفقه المسلمون ، فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها كما في قوله تعالى - فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم - . قال في الكشاف : واللام على هذا متعلقة بقوله ( ثم تكون عليهم حسرة ) ، وعلى الأول بيحشرون ، و ( أولئك ) إشارة إلى الذين كفروا انتهى . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) ثم استثنى أهل الشرك فقال ( وما لهم ألا يعذبهم الله ) . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله ( وما لهم ألا يعذبهم الله ) قال : عذابهم فتح مكة . وأخرج ابن إسحاق وأبو حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير ( وما لهم ألا يعذبهم الله )